محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

276

شرح حكمة الاشراق

فصل [ 2 ] ( في تعريف الغنىّ ) وإنّما قدّم تعريفه لاحتياجه إليه في تقسيم النّور إلى الفقير والغنىّ . الغنىّ هو ما لا يتوقّف ذاته ولا كمال له على غيره ؛ والفقير ما يتوقّف منه على غيره ذاته أو كمال له . اعلم : أنّ صفات الشّىء تتنقسم إلى ما يكون له من ذاته ، ( 139 ) وإلى ما يكون له بسبب الغير . والأوّل ينقسم إلى ما لا يعرض له نسبة إلى الغير ، وهي الهيئات المتمكّنة من ذات الشّىء ، كالشّكل ، وإلى ما يعرض له نسبة إلى الغير ، وهي الهيئآت الكماليّة الإضافيّة ، وهي كمالات للشّىء في نفسه ومبادئ إضافات له إلى غيره ، كالعلم والقدرة . والثّانى الإضافات المحضة ، كالمبدئيّة والخالقيّة . فالغنىّ المطلق - وهو ما يكون غنيّا من كلّ وجه ، لا ما يكون غنيّا من وجه دون وجه - هو ما لا يتوقّف على غيره ، في ثلاثة أشياء : في ذاته ، وفي هيئآت متمكّنة من ذاته ، وفي هيئآت كماليّة له في نفسه ، هي مبادئ إضافات له إلى الغير . واحترز بقوله : « ولا كمال له » ، عن الإضافة المحضة ، لتعلّقها بالغير وجوازها على اللّه تعالى ، إذ لا يلزم من تغيّرها تغيّر في ذاته ولا من تغيّر معلومه أيضا . أمّا الأوّل ، فلأنّه إذا لم يبق زيد موجودا أو بطلت إضافة المبدئيّة ، لا يلزم تغيّر في نفسه ، كما لا تتغيّر ذاتك بتغيّر الإضافة من انتقال ما على يمينك إلى شمالك . وأمّا الثّانى ، فالسّرّ فيه أنّ علمه حضورىّ إشراقىّ ، لا بصورة في ذاته ليلزم التّغيّر . والفقير هو الّذى يتوقّف على غيره في شئ من الثّلاثة . وحاصل الغنى راجع إلى وجوب الوجود الذّاتىّ ، وحاصل الفقر إلى إمكان الوجود .